فمعلوم أن الوزارة أنشئت لتضم عدداً من الأجهزة، التي لها تاريخ طويل في مجال الدعوة إلى الله، وفي مجال الأوقاف، ورعاية المساجد، والاهتمام بالشؤون الإسلامية، ذلك أن المملكة العربية السعودية تأسست أول ما تأسست على الإسلام، وتحكيم كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم)، واقتفاء أثر السلف الصالح، منذ أن قامت في عهدها الأول، عهد الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الذي ناصر الدعوة المباركة التي دعا إليها الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله-، واستمر ذلك في فترات تاريخها حتى العصر الحديث، عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود -أيّده الله-.
وهذه الأجهزة إذا نظر الإنسان إليها، وجد أن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد (سابقاً) كانت تقوم بمهمة الدعوة إلى الله منذ سنوات طويلة، كما أن وزارة الحج والأوقاف (سابقاً) كانت تهتم بشؤون الأوقاف والمساجد منذ أمد بعيد. فالأعمال المفرّقة في أجهزة حكومية متعددة جمعت في "
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
"، ونص الأمر الكريم أن يضم إليها كل ما له علاقة بالشؤون الإسلامية. ومن أهم الإنجازات التي تمت، جمع هذه الأجهزة وتوحيدها في الوزارة، ووضع الخطط الكفيلة بتأديتها مهمتها ورسالتها.
ولا شك أن الجانب التنظيمي استغرق وقتاً ليس بالقليل من وقت الوزارة والعاملين، لأن الأعمال تحتاج إلى تنظيم وتنسيق وترتيب، وإلـى تكوين إدارات، وجلب كفـايات قادرة على العمل. وأي عمل ناجح لابد أن يقوم على ركيزتين مهمتين: الركيزة الأولى التنظيم والتخطيط، والركيزة الثانية البشر والكفايات التي تنفذ هذه الخطط والبرامج.
ومن الإنجازات التي تحققت بعد إنشاء وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، ما يتصل بتأهيل الدعاة والخطباء، فالوزارة وضعت برنامجاً لذلك، ونفذت كثيراً منه، غايته رفع مستوى الإمام والخطيب الحالي، وإعداد الإمام والخطيب في المستقبل، كما وضعت مناهج علمية ذات مستويات متعددة لتدريب الأئمة والخطباء، بدأت بتنفيذها على شكل دورات تطول أو تقصر، في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية، بحيث يعقد بالمنطقة عدد من الدورات لهذا الغرض، وتتعاون جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة، ووزارة المعارف، وبعض المؤسسات التي لديها الإمكانات، مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في تنفيذ هذه الدورات، وقد روعي فيها أن تكون ذات مستويات متفاوتة، مستوى متقدم، ومستوى متوسط، ومستوى مبتدئ، وقد يأخذ الأئمة والخطباء برنامجاً علمياً مكثفاً في مجال عملهم، ولا شك أن لهذه الدورات الأثر الكبير على مستوى الإمام والخطيب إن شاء الله.
و بالعمل نفسه قامت الوزارة فيما يتعلق بدعاتها في الخارج، لأن للمملكة العربية السعودية عدداً كبيراً من الدعاة خارج المملكة، وهؤلاء الدعاة وإن كانوا مؤهلين، قد درسوا في جامعات إسلامية، لكنهم في حاجة إلى معرفة المزيد، مما يتعلق بعملهم، سواءً ما يتصل بأساليب الدعوة، أو بما يجدّ في الساحة من مشكلات يجب أن يكون الداعية على علم بها، ولذا أقيمت لهم دورات ولقاءات في مناطق متعددة، يجتمع فيها عدد من الدعاة، ويذهب إليهم عدد من العلماء من الوزارة، أو من جامعات المملكة، أو من جامعات إسلامية في خارج المملكة، وفق خطة معتمدة، وبرنامج معتمد، ويتم في هذه الدورات رفع كفاية الداعية، وتزويده بالمعلومات والمعارف التي تثري عمله في مجال العمل الإسلامي والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
ومن الإنجازات ما يتعلق بوسائل الدعوة، ووسائل الخطابة، فمعلوم أن الوسيلة الأساسية والمهمة في الدعوة إلى الله، وفي الخطابة والإمامة هي الكتاب، فله أثر كبير في تكوين الداعية، وفي تكوين الإمام والخطيب، يرجع إليه بشكل مستمر. من أجل هذا اتجهت الوزارة إلى تزويد كل داعية بمكتبة تناسب حاجته، واختصاصه، منها الكتاب القديم الذي يعدّ المرجع، ومنها الكتب الحديثة التي تدرس القضايا والمشكلات الجديدة. والداعية ينبغي أن يتلقى المعلومات والثقافات من مصادر مأمونة، ومن ثم لجأت الوزارة إلى التأليف والكتابة والبحث من خلال وكالة مستقلة لشؤون المطبوعات والنشر التي تعنى بالمطبوعات السليمة والوسائل المفيدة التي تخدم الدعوة إلى الله، وتسهم في رفع مستوى الوعي لدى الأمة.
ولدى الوكالة في الوقت الحاضر خطة في مجال التأليف والترجمة، اشتملت على إخراج (150) بحثاً في شتى المجالات، وترجمة ما لا يقل عن (130) كتاباً، وفي مجال الطباعة تم طباعة (3,705,000) نسخة، وتحت الطبع (740,000) نسخة، وفي مجال الأشرطة يوجد ما يزيد على خمسمائة مادة، ووزّع ما لا يقل عن مليون شريط في مواسم الحج ومناسبات أخرى بلغات مختلفة، وفي مجال التوزيع والنشر وزّع ما يزيد على (8,000,000) نسخة في داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.
ويوجد في الوكالة قواعد معلومات عن المؤلفين والمترجمين والمراجعين، وعن الكتب، وعن اللغات الأجنبية، والدول.
وقد أسست الوزارة مركزاً متخصصاً للبحوث والدراسات يتولى الاهتمام بكل ما يتعلق بشؤون الدعوة، والإمام ورسالته، والمسجد، والخطيب ومهمته، يدرس المشكلات والقضايا، ويجري أبحاثاً توزع على الدعاة والأئمة والخطباء. هذه الأمور لها أثرها الكبير في مجال عمل الوزارة، وفي تكوين الخطيب والداعية وإعدادهما للقيام بمهماتهما.
واتجهت الوزارة فيما يتصل بالأوقاف إلى المزيد من الدراسات التي تنمي الوقف، لأن الوقف كما هو معلوم في تاريخ الأمة الإسلامية مجال واسع ورحب، قامت الحضارة الإسلامية في جانب كبير منها على الأوقاف التي يوقفها المسلمون الأثرياء، الذين يريدون نفع أمتهم، ونفع مجتمعاتهم، فقامت الوزارة بكثير من العمل نحو تنمية الأوقاف الموجودة، وصرف غلالها في مصارفها الحقيقية، ودعوة الأثرياء لمزيد من الوقف الخيري العام. ومن المصلحة أن يوجه الوقف إلى الخير العام الذي ينفع المسلمين، كبناء المساجد، والمراكز والمدارس الإسلامية، وطبع الكتب، وإقامة المستشفيات، أو دور الرعاية الاجتماعية، وعون المصابين والمعاقين، هذا مجمل ما تم إنجازه منذ إنشاء الوزارة، والمدة -كما نعلم- ليست بالطويلة.
أما في المستقبل، فأمام الوزارة برنامج طموح يتمثل في استكمال الخطوات التي بدأت بها في هذه المجالات، فيوجد الآن في المملكة العربية السعودية معهد للأئمة والخطباء على وشك أن يبدأ أعماله، وسيكون هناك -إن شاء الله- أكثر من معهد في المستقبل، كما أن الكثير من الأبحاث والدراسات ستصدر قريباً -إن شاء الله-، وهذه لا يقتصر نفعها علينا في الوزارة أو على الدعاة المرتبطين بالوزارة فحسب، ولكنها تتصل بالدعوة الإسلامية بشكل عام لترشيدها وترشيد شباب المسلمين، ومواجهة المشكلات التي تواجه المسلمين في الوقت الحاضر، فإن هناك لبساً وغموضاً وإشكالات لدى كثير منهم في كثير من القضايا، ودعاية مغرضة من غير المسلمين ضد الإسلام والمسلمين، وأعمالاً تتم أحياناً في بعض المناطق الإسلامية لا تتفق مع الإسلام، وتستغل من قبل الأعداء ومن قبل الفئات الأخرى التي تبحث عن أخطاء أمة يرونها متخلفة، وأنها لا تسير على نظام، وتسعى وراء شهوات وأغراض شخصية.
هذه الأهداف المهمة تحرص الوزارة في المستقبل على أن تتحقق، لأنه إذا توفر الإمام الصالح، والخطيب الصالح، والداعية الصالح، وتوفرت البحوث العلمية التي تعالج مشكلات الدعوة والدعاة وتبيّن صورة الإسلام السمح الذي أنزل للناس كافةً، إذا تحققت هذه الأمور فنكون قد قطعنا مراحل كبيرة في مجال الدعوة إلى الله -إن شاء الله تعالى-.